أن تعمل في يوم الإجازة المنتظر ليس بالضرورة سيئاً. أفرح كثيرًا عندما أستيقظ قبل أن يدق منبهي. يدق المنبه - أو بالأصح تغني فيروز شط اسكندرية.. يا شط الهوى - بعد أن أنتهي من صلاة الصبح وأشرب الشاي باللبن وأرسل رسالة إلكترونية ذات صفة إدارية. حين يبدأ اللحن الرحباني وأنا جالسة أمام الكومبيوتر، أدرك أنني سبقت يومي بساعة، وأقرر أن أستمع إلى الأغنية بأكملها.
.
أن تذهب إلى العمل في يوم الجمعة يعني الكثير من الأشياء الجميلة. تلقاك نسائم باردة بمجرد أن تخطو خارج المصعد. وتقبل جبهتك شمس نوفمبرية رقيقة، وتصافح عينك سحب متفرقة في السماء. الشارع خال تمامًا إلا من عدد بسيط من الناس يكفي لبعث الشعور بالأمان. المقعد الطويل بالمحطة يدعوني للجلوس. الهواء يسمح لك أن تتنفسه. 18 يأتي دون تأخير، محتفظًا بمقعد فارغ لكل من يرغب في الارتحال إلى وجهته
.
.
خلال اليوم، أحاول أن أتذكر من قال لي أن القلب اسمه كذلك من التقلب. لا أستطيع أن أتذكر، فقط أفكر في ماهية تقلب القلوب، وفي اسم مقلب القلوب
.
.
بعد ان أنتهي من الغداء، أتمنى لو كنت اكتفيت بالبرتقالة والجوافة التي أحضرتها معي من البيت
.
.
تزورني ذكراها وأنا أصلي العشاء. أتساءل: هل نسيت؟ أرغب بشدة في السقوط على قدمي. فقط لو يأتي السجود بسرعة. اشتقت إليها.. بألم
.
.
وأنا أعبر الطريق - عند مفترق الطرق - أتذكر أننا في شهر نوفمبر.أود لو احتضن النسائم الباردة بذراعي. أشتاق إلى إقباض يدي على مفاتيحي الفضة، وإلى رباعية من رباعيات جلال الدين الرومي. انتظر الباص عند الكشك. ألقي نظرة على الجرائد المتربة المفروشة على الرصيف. ألمح نسخة أخيرة من أخبار الأدب. أتناولها وألقي نظرة على العناوين دون أي نية لارتكاب حماقة شراء عدد آخر لا وقت لقرائته. ألمح اسمها، فأعرف على الفور أنني سأرتكب حماقة ما. أناول صاحب الكشك الجديد جنيهًا فضيًا وأجلس على مقعد المحطة أقرأ الحوار الذي ارتكبت من أجله الحماقة، وأتأكد أن كل الصدف لها معنى، وأن الكون يحاول أن يتحدث إلينا طوال الوقت. تتحدث رضوى عاشور في حوارها مع "أخبار الأدب" عن ما تسميه سجن العمر: الواقع الذي نعيشه يفرض علينا وعلى غيرنا درجة من العجز. السجن خارج السجن أقسى من السجن بداخله
.
.
في الطريق، أسمع لحن مألوف لعمرو دياب.. "وبينا ميعاد.. لو إحنا بعاد".. كثيرًا ما يستحق عمرو دياب أن تستمع إليه.. ولكن ليس دائمًا
.
.
أنتظر النزول من الباص لأعود لنسائم نوفمبر مرة أخرى. تقع عيناي على السماء بالصدفة بمجرد أن أنزل. أرى السحب لأول مرة كما لو كانت سهرايات خافتة تضيء ليل السماء. أرتاح. مع أول أو ثاني خطوة أخطوها ألمح ثلاث وردات بلدي على الأسفلت. أتخطاها غير مصدقة، ثم أعود خطوة إلى الوراء. أنظر يمينًا وشمالاً ثم أنحني وألتقط الوردات. اثنان وردي وأخرى حمراء. ألفهم بمنديلي الورق المهتريء حتى لا يجرحني الشوك. أنظر مرة أخرى إلى السماء، وأملأ رئتاي بنسيم نوفمبر
.
.
كل الصدف لها معنى، والكون يحاول أن يتحدث إلينا طوال الوقت
___________________
الصورة: غروب شمس الجمعة 14/نوفمبر/2008
حديقة الأزهر
"تصويري"
"تصويري"






